أبو علي سينا
مقدمة الفن الثاني 18
الشفاء ( الطبيعيات )
إلى المقالة الرابعة وجزء من الثالثة من « كتاب الآثار العلوية » الأرسطي ، وكأنما شاء ابن سينا أن يقسم موضوع هذا الكتاب قسمين واضحين ، ينصب أحدهما على بعض الخواص الطبيعية الأرضية ، وسماه « الأفعال والانفعالات » ، وينصب الآخر على ما يتكون في باطن الأرض أو ما يحدث من ظواهر طبيعية بين السماء والأرض كالسحاب والرياح ، وسماه « المعادن والآثار العلوية » ، ووقف عليه الفن الخامس من طبيعيات الشفاء . ويتحدث ابن سينا عن ملوحة ماء البحر ووزنه النوعي ، مبينا أنه أثقل من ماء النهر . والماء في طبيعته العنصرية حلو ، وإنما يكتسب الملوحة من اختلاطه بجسم آخر . وملوحة البحار مستمدة من الطبقات الأرضية التي اتصلت بها ، بدليل أنا نستطيع أن نقطر ماءها ونرشحه فيصير عذبا « 1 » . ويعيب على أنبادوقليس قوله أن ملوحة البحر بسبب أنه عرق الأرض ، لأن هذا كلام شعري لا فلسفي ، وإن أمكن تأويله بأن هذه الملوحة شبيهة بالعرق الذي يستمد ملوحته من المواد المحترقة في البدن « 2 » . ويلاحظ أن هناك أماكن انحسرت عنها مياه البحار كالنجف في العراق ، وقد مثل أرسطو لهذا من قبل بدلتا مصر « 3 » . ويفصل ابن سينا القول في بعض مظاهر التغير المترتبة على الفعل والانفعال كالطبخ والقلى والنضج والنهوءة ، والتجميد والتفخم ، والتصعيد والذوب ، والعفونة والاحتراق « 4 » . وهي تفصيلات تبدو اليوم غير ذات بال ، إلا أنها تؤذن بأن ابن سينا كان يؤمن بالتطور . فهو يرى مثلا أن الأشياء قد تستعد بالعفونة لقبول صورة أخرى ، فتتولد منها أشياء جديدة من حيوان أو نبات « 5 » . ويعود إلى المزج فيتحدث عن أثره في الطعوم والروائح والمركبات ، وقد عرض له من قبل في كتاب « الكون والفساد » « 6 » . ويعبر عنه هنا بلفظ فيه شئ من اللبس ، فيسميه المزاج ، مع أنه عرض للأمزجة طويلا في « كتاب القانون » « 7 » * * * هذه هي كتب ابن سينا الثلاثة ، وقد أفاد منها الطبيعيون المعاصرون ، أمثال ابن الهيثم ( 430 ه ) والبيروني ( 439 ) ، وتأثر بها الباحثون المتأخرون ، وكان لها شأن
--> ( 1 ) ابن سينا ، الأفعال والانفعالات ، ص 206 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 207 - 208 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 209 أرسطو ، الآثار العلوية ، طبعة بيروت ، ص 47 . ( 4 ) ابن سينا ، المصدر السابق ، ص 223 - 234 . ( 5 ) المصدر السابق ، ص 226 . ( 6 ) ص ع . ( 7 ) ابن سينا ، القانون ، طبعة روما ، ص 2 - 5 .